X إغلاق
X إغلاق

Please install Flashֲ® and turn on Javascript.

"فَرُبَّ ذكرى قرّبت من بَعُدا" ،بقلم: د. محمد حبيب الله

19-10-2016 - 16:15 / حصاد نت

"فَرُبَّ ذكرى قرّبت من بَعُدا"
في ذكرى الثمانين سنة على ميلاد الشاعر
بقلم: د. محمد حبيب الله
شكيب جهشان
احتفلت الناصرة والمعارف والاصدقاء في الوطن وفي الشتات، في رام الله والقدس وفي جميع الأوساط الادبية في اسرائيل والسلطة الفلسطينية بذكرى مرور 80 عام على ميلاد ابي اياد  الشاعر شكيب جهشان/ نعم، أقول ذكرى الثمانين على ميلادك وليس ذكرى مرور كذا سنوات على موتك ومغادرتك لنا بالجسم في رحلة ابدية طويلة، لقد رحلت عنا بجسمك وبقيت بروحك تطوف في الأرجاء وتحوم حولنا صبح مساء ، تبعث في نفوسنا النشوى وتحرك في قلوبنا نبضا لا ينفك يضرب ويضرب ويقرع الذاكرة ويحيي فينا حاضرنا بأشعارك التي بقيت على كل لسان وقصائدك التي تحرك فينا العواطف وتخاطب فينا الوجدان وقولك الجميل "أحبكم لو تعرفون كم".

انت يا اب اياد غني عن التعريف بك للأجيال التي رضعت من أقوالك وحكاياتك وأشعارك العذبة والوطنية والانسانية مما جعلها تتنفس وتتغذى عقلاً وروحاً بما تركت لنا من تراث. انت يا ابا اياد غني عن التعريف شاعراً كبيراً تقول أحلى الكلمات وتخاطب كل من حولك في مجتمعك الصغير صغاراً وكباراً، وفي مجتمعك الكبير المجتمع الفلسطيني عامة حيث تحدثت عن قضايا ومشاكل كل شعبك عند الفلسطينيين في الداخل والخارج في الضفة والقطاع وفي الشتات الفلسطيني أينما كان، ان القارئ للمجموعة الكاملة لأشعارك والتي صدرت في مجلدين، يصول ويجول ويستمتع بشذى  عطر اشعارك  الأمر الذي حدا بكثير من الكتاب والباحثين ان يكتبوا عنها ولله در هؤلاء جميعاً ودر بالذات تلميذك الباحث الدكتور رياض كامل مدير المدرسة الثانوية (مار يوسف) في الناصرة.

لكن الذين كتبوا عنك وركزوا على اشعارك في ابعادها الفنية والأدبية والانسانية، الا ان لا أحد تطرق الى الأمرين الذين أنا بصددهما وبالكتابة عنهما. الأمر الأول: يتصل بمعرفتنا بك جاراً عزيزاً يسكن في حي المطران في الناصرة لقد جمعتنا في هذا الحي الجيرة  والمهنة والصداقة المتينة لسنين طويلة فكنّا نتزاور في الاعياد والمناسبات، كنت لنا خير صديق  وخير زميل في المهنة والرسالة التربوية وخير جار جاورنا أكثر من عشرين سنة كنا نتزاور ونتحدث في أمور تخص التربية والتعليم  وتخص الناس  والمجتمع وتخص أولادنا ومستقبلهم  وتتصل بالأوضاع السائدة في البلد وقضايا تتصل بنا كفلسطينيين في اسرائيل وتتصل بالفلسطينيين بشكل عام والقضايا العالقة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية بالنسبة لحل النزاع واحلال السلام واقامة الدولة الفلسطينية الى جانب دولة اسرائيل. كنت لا تتردد في سؤالي عن قضايا تربوية وتعليمية صادفتك، بهدف الاستنارة بالرأي الآخر في حلها. كنا نتناقش في قضايا التربية والتعليم العالقة عند الاقلية العربية الأصلانية داخل الدولة ومدى التمييز المنهجي المتبع منذ قيام الدولة تجاه هذه الأقلية، وكنت انا بدوري استنير برأيك ايضا في القضايا التي كانت دائما على بساط البحث في لجنة متابعة قضايا التعليم العربي التي تشرفت برئاستها لمدة عشر سنوات وبقيت فيها حتى اليوم عضواً في السكرتارية التنفيذية للجنة وعضواً في المجلس التربوي الذي انبثق عنها. كنا دائماً الى جانب كل هذا، نتبادل النوادر والحكايات التي تتصل بحياة الناس ونغرف بعضا منها ورد في كنوز التراث العربي شعراً ونثراً، كنت يا صديقي ابا اياد خفيف الظل دائماً وصاحب دعابة.

اما الأمر الثاني فكان يتصل بكونك معلماً بنى لنفسه فلسفة تربوية سليمة بالفطرة. لقد قضيت يا ابا اياد العمر في هذه المهنة الشريفة التي أحببتها والتي شاركتنا فيها لأننا اثنانَا خلقنا لنكون معلمين، لقد كانت رحلتك طويلة في عملك كمعلم، بدءاً بالمدارس الابتدائية في العزير ودير الأسد وانتهاء بمدرسة الرامة الثانوية والمدرسة الأكليركية (مدرسة المطران) في الناصرة كنت خلال عملك كمعلم قد كتبت تصوراً جميلاً للمعلم في قصيدة تحت عنوان: "ان تكون معلما" وانه لمن باب توارد الخواطر ان اكتب انا ايضاً كتاباً تحت عنوان "ان تكون معلما في دولة احادية القومية" وهو في الطريق الى الانتهاء منه ونشره خلال سنة من اليوم والكتاب عبارة عن مذكراتي كمعلم في المدرسة الابتدائية في عين ماهل وفي الجامعة العبرية في اورشليم القدس وفي دار المعلمين في حيفا وفي جامعة ميتشغان في اميركا من خلال عملي في لجنة متابعة قضايا التعليم العربي والملاحقات التي تعرضت لها من اجهزة الأمن ومن قبل وزارة المعارف.

لقد وضعت يا ابا اياد كل التصورات المطلوبة من المعلم والمربي الحقيقي كما جاء وذلك على لسانك في قصيدتك المشهورة التي ذكرتها آنفاً وايضا في كتابك الممتع الذي قرأته حديثا تحت عنوان " على شوقِ ايام غوالِ"، لقد اهدتني ام اياد مشكورة هذا الكتاب فسعدت في قراءته كما صديقي الدكتور حاتم خوري سعد في ذلك عندما اهديته نسخة من هذا الكتاب خلال مكوثنا في رحلة ترفيهية في فندق كيمنسكي في البحر الميت الأردني. وقد قال لي في صباح اليوم الثاني من الرحلة: شكراً لك على هذا الكتاب الذي لم اتركه هذه الليلة الا بعد ان انتهيت من قراءته وتمتعت بكل ما جاء فيه ومن الأسلوب السلس الجميل الذي عرض به ابو اياد ما مر به في رحلته التعليمية من العزير الى دير الأسد الى الرامة. تقول في قصديتك " ان تكون معلماً"

ان تكون معلماً يعني ان تكون مستقيما وقاطعاً
كحد السكين
ان تكون معلماً يعني ان ترتد يدك باللقمة
عن فمك لتوزعها على افواه الجائعين
ان تكون معلماً يعني ان تؤمن بالحياة
خلاصة لجهد الخالق
وهدفاً لهذا الكونْ
ان تكون معلماً
يعني ان تبحث عن الرضا في اعين الصغار
الذين يجلسون امامك
حتى تطمئنَّ على ضميرك
وعلى سلامة الطريق
ان تكون معلما
يعني ان تزن كلمتك عشرات المراتِ
قبل ان تلقيها في الآذان
لأن كل كلمةٍ تخرج من فمك ترسم مصيراً
وتشكل قدرا
ان تكون معلماً يعني ان تكون صورة الله على الأرضْ
فهو الخالق الاول
وهو المعلم الاول
فرفقاً بالطينة التي بين يديك
فهي، هي
الطينة التي نفخ الله فيها من روحه
فسجد لها كل من في السماء
وكل ما على الارض.

في كتابك " على شوق ايام غوال" انعكست شخصيتك كمعلم، خلق ليكون معلماً، وذلك في أمور تتعلق بكل ما تعنيه التربية الحقيقية من معنى. يخرج القارئ بعد قراءة هذا الكتاب مليئاً بالأفكار التي تجعل كل طالب في كليات اعداد المعلمين كيف يكون معلماً حقا، وتجعل كل معلم في بداية طريقه وفي السنوات الأولى من عمله من أن يكون معلماً ومربياً حقيقياً، وأنا شخصياً انصح كل معلم بقراءة هذا الكتاب. تخاطب يا ابا اياد في كتابك هذا المعلم بقولك له "ان تكون معلماً ليس بالأمر السهل وان تكون معلماً تعني الكثير الكثير لك فيما يتعلق بالأولاد الذين عيونهم معلقة بك وقلوبهم تمتلئ حباً لك حين نخاطب فيهم قلوبهم قبل عقولهم. لقد وضعت لكتابك اربعة دوافع من أجل كتابته، الأول الحنين الى زمان مضى والى مكان، راح مع الزمان، والحنين الى الناس الذين تقلبت بهم الحياة. الثاني: الاستذكار والمحاولة الحلوة للاسترجاع والمعايشة، لأنك احببت تلك الأيام وأحببت ان تعايشها مرة ثانية.

والثالث التذكير – تذكير الناس بواقع غريب عاشه جيل المعلمين وأجيال من الطلبة الذين أصبحوا الآن رجالاً يملؤون الآفاق نبضاً وعطاء. والرابع تقديم تجربة مررت بها وبأمانة للأجيال الآتية علها تستفيد وتتحاشى بعض المرارة التي ذاقها السابقون.

لقد بدأ ابو اياد طريقه معلماً صغير السن، مباشرة بعد انهاء الصف الثاني عشر، حيث يقول "ان تنجح في امتحانات البجروت في تلك الأيام معجزة وأن تنال علامات مقبولة معجزة أكبر، أما ان تتلقى اشعاراً بتعيينك معلماً في احدى المدارس العربية فهو الفوز الأكبر" بدأ عمله معلما في مدرسة "العزير" بلد لا تصلها سيارة وعليه السير على الأقدام من قرية مجاورة. المدرسة غرفة واحدة واسعة قليلاً مقسومة الى نصفين للصغار والكبار وفيها معلم هو معلم ومدير وأنت المعلم الثاني- أي مكونة من معلم ومدير، لقد تولد عند شكيب احاسيس دفاقة نحو طلابه ابناء شعبه وبدأت تتكون في صدره رسالة بأنه يعلم ابناء شعبه ويساهم في ترسيخ جذورهم في هذه الأرض.

ثم انتقل الى قرية دير الأسد بعد سنة وبعدها طُلِبَ اليه ان يكون معلما في مدرسة الرامة الثانوية معلماً للصف الثاني عشر، وهكذا بدأت رحلته الطويلة التي وصلت الى المدرسة الاكليركية / المطران في الناصرة، وهنا لا بد من وقفة عن بعض الأفكار والآراء والمعتقدات التربوية التي آمن بها وبني عليها فلسفته التعليمية والتربوية. عند استعراض الكتاب بأسلوبه المشوق تستوقفني بعض هذه المحطات التي تنم عن شخص خلق ليكون معلماً، كما عبر عن ذلك في احدى قصائده. لقد اتبع شكيب في كتابته الاسلوب السلس والسهل الممتنع في عرضه للأمور، فيأخذك في نزهة ممتعة الى قرانا ومدارسنا وماضينا وحاضرنا  وواقعنا، ويجعلك تلتقي مع اولادنا  في هذه الاماكن وتشاهد بأم عينيك ما كان يدور وما كان يحدث معه في لقاءاته مع تلاميذه ومديريه وزملائه ورجالات الشين بيت والحكم العسكري، من خلال هذه الجولات نستكشف شخصية فذة فريدة، شخصية المعلم المطبوع الذي يتعلم من تجربته كيف يجب التعامل مع الطلاب بطريقة تربوية يتسم بها بالفطرة. يقولون ان المعلم الناجح هو الذي يتعلم من طلابه ويقول شكيب "في هذه المدرسة / دير الأسد" عَلَّمك طلابك كيف تكون معلماً، علموك ذلك بتحاورهم العفوي البريء مع كل الجهود التي بذلتها".
الدرس الأول الذي تعلمه "المحبة"، يقول "لقد غمرك طلابك بفيض غامر منها... وتحتم عليك ان تقابل المحبة بالمحبة، فالمحبة هي المفتاح السحري لهذه المهنة المقدسة فاذا احببت طلابك احبوك". المحبة هي المرتبة الأولى للعطاء السخي، والمحبة هي شعلة المرح، والمرح هو زيت التعليم المقدس ودير الأسد هي الكلية التي اعدته كي يكون معلماً، يقول نحن أقلية تبحث عن هوية وقرية دير الأسد، لقنتني درسا في الهوية والانتماء معاً، وكان له ذلك في سنة 1956، عندما وقعت مجزرة كفر قاسم والعدوان الثلاثي على مصر "فكنت تحس الغضب يتفجر من صدور الناس.. حتى الأطفال منهم.. كان آنذاك "فيضان الحزن الجماعي ومن الحقد الجماعي المشروع ولكنه لم يكن الهزيمة".

انتقل شكيب من دير الاسد الى الرامة إثر ترك معلم الأدب العربي للصف الثاني عشر عمله، وبقي الصف لأشهر بدون معلم الى ان جاء الخلاص، وحل ابو اياد محل هذا العالِم وبدأ خريج الثاني عشر يُعَلِّمْ في الثاني عشر، وللحقيقة فقد كان ابو اياد طالبا متميزاً في المدرسة خاصة في موضوع اللغة العربية بحيث كان موسوعة كاملة في هذا الموضوع. لذلك أبدع شكيب معلماً للثاني عشر وغيره، وفاجأ الطلاب الذين كان يكبرهم بسنتين فقط بأنه ليس له قرار في موضوع الأدب العربي واللغة العربية.

في كتابه يتطرق ابو اياد لموضوع منهاج الأدب العربي والى الممنوعات فيه من مواد يمنع المعلمون من تعليمها لأنها تحوي روحا وريحاً وطنية ولأنها خطرة على الدولة ولان الاتجاه كان تفريغ مواد الأدب المقررة من كل ما هو وطني وقومي والاقتصار على اشعار تتصل المدح والرثاء ووصف الطبيعة والغزل. يقول ابو اياد في كتابه "فالنصوص المقررة عجيبة، فمعلقة عمر بن كلثوم من الممنوعات، وقصيدة المتنبي في هجاء كافور أحق من قصيدته "أُطاعِنُ خَيْلاً".. والادب العربي الحديث بعد شوقي وحافظ غير قائم ابدا. اما الادب الفلسطيني فهو "بوك" كان شكيب يحاول تعويض الطلاب وايصال الحقيقة لهم عن طريق الاحتيال، ويعلم الطلاب اشعاراً اخرى وطنية كتبها نفس الشاعر مستغلاً موافقة الوزارة على ادراج اسمه ضمن المواد المقررة في المنهاج، وهكذا كان يفعل كاتب هذه الصدور خلال تعليمه للأدب العربي لقد تصدى للتحدّيات وخاصة تحدي الرقابة والمفسدين النمامين اعوان أجهزة الأمن من المعلمين وانتصر عليها يقول "من وراء هذا التحايل عرفوا ابراهيم طوقان والجواهري وهزتهم النخوة في معلقة عمرو ابن كلثوم"

في الكتاب امور اخرى كثيرة يتطرق اليها ابو اياد وتتصل بالواقع المر الذي تعيشه الاقلية الفلسطينية ويتطرق الى قضايا التعليم العربي العالقة والى قضايا الحكم العسكري وما تلاه والى الواقع الفلسطيني وقضايا النزاع مع اسرائيل، شكيب لم يمت، شكيب سيبقى عائشاً فينا وذكره على كل لسان "فَرُبّ ذكرى قرّبت من بَعُدا".
 

أضف تعليق

التعليقات