X إغلاق
X إغلاق

Please install Flashֲ® and turn on Javascript.

جاسوس في مكتب عريقات؟ بقلم عبدالباري عطوان

19-01-2016 - 16:44 / وكالات

اعترف مسبقا بأن الكتابة في الشأن الفلسطيني هذه الايام عملية شاقة، فباستثناء هذه الانتفاضة الشبابية المشرفة في الاراضي المحتلة، بشقيها في مناطق محتلة عام 1948، او الضفة الغربية، تبدو الصورة الفلسطينية محبطة وقاتمة للغاية.
لدينا رئيس فلسطيني انشغل عن مقاتلة اسرائيل بتصفية حساباته مع مساعديه وثُقاته، يهدد ولا ينفذ، وجميع رهاناته على السلام فشلت، وحوّل سلطته، والشعب الفلسطيني كله الى شعب متسول ينتظر راتب آخر الشهر، والويل كل الويل لمن يتجرأ على المعارضة، او توجيه اي نقد للسلطة او الرئيس.
التلفزيون الفلسطيني الذي من المفترض ان يكون لكل الفلسطينيين، ويتصدر المحطات العربية كلها بشفافيته ومصداقيته، ومناقشاته الساخنة، وبرامجه الوطنية، تحول الى تلفزيون السيد الرئيس تماما على غرار التلفزيونات العربية الرسمية في زمن الاسود والابيض، زمن اهل الكهف، وكأنه لا توجد طفرة في وسائط التواصل الاجتماعي، ومواقع الانترنت و”الفيسبوك”، و”التويتر”، فكل هم هذا التلفزيون هو تغطية سفرات الرئيس وخطاباته التي لا يسمع بها الا القلة القليلة.

نكتب عن الشأن الفلسطيني اليوم بعد ان تناهت الى اسماعنا انباء عن اكتشاف جاسوس في مكتب الدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين، الذي لم يعد يجد مفاوضات يشارك فيها، او محطات تلفزة تسعى اليه، لكي يغرد باللغتين العربية والانكليزية فيها ليل نهار، وحسب كل التوقيتات العالمية او المحلية، لان القضية الفلسطينية، وبفضل مفاوضاته، وسياسة سلطته، احتلت مكانة متدنية في سلم اهتمامات العرب والعالم.
ما هي الاسرار التي سيعثر عليها هذا الجاسوس في مكتب الدكتور عريقات ولا تعرفها اسرائيل واجهزتها الامنية؟ وما هي الوثائق التي يمكن ان يخفيها عن اعين عملاء “الموساد” و”الشين بيت” وغيرها، فالرجل، اي الدكتور عريقات، على اتصال دائم بالمسؤولين الاسرائيليين، وضيف دائم على وجبات فطورهم وغدائهم وعشائهم، ويعتبر بعضهم مثل السيدة تسيبي ليفني من اقرب الاصدقاء اليه.
التجسس الحقيقي هو الذي تمارسه الاجهزة الامنية الفلسطينية تحت مسمى “التنسيق الامني”، فهذه الاجهزة هي التي تتعامل في وضح النهار مع نظيراتها الاسرائيلية، وتتبادل معها المعلومات عن المقاومين للاحتلال، وانشطتهم، وتسهل اعمال اعتقالهم، بل وحتى اعدامهم، وتدمير منازلهم.
فاذا كانت الاجهزة الامنية الفلسطينية، وكبار جنرلاتها وعقدائها تتعاون مع المحتل واجهزته، وتوفر الحماية لعملائه، ومستوطنيه، وتتصدى لاي مظاهرة احتجاجية ضده، بأشرس الادوات القمعية، فهل نلوم موظف “صغير” في مكتب “كبير” المفاوضين؟ مع اقرارنا وتسليمنا بأنه، اذا ثبت تجسسه، يستحق اقصى العقوبات.
الرئيس عباس، ومنذ ان تولى رئاسة السلطة خلفا للشهيد ياسر عرفات، وهو يهدد بالغاء اتفاقات اوسلو، او بالاحرى عدم الالتزام بالشق الفلسطيني منها، وعلى رأسها التنسيق الامني، والقى خطابا عرمرميا، وصفته اجهزة اعلامه بأنه تاريخي، امام الجمعية العامة للامم المتحدة، قال فيه ان سلطته بلا سلطة، وان مجندة صغيرة في الجيش الاسرائيلي تستطيع منعه من مغادرة مقره في رام الله، فماذا حدث لا شيء على الاطلاق، فلا ما ورد في الخطاب طبق على الارض، ولا قرارات المجلس المركزي جرى تنفيذها، ولا المجلس الوطني انعقد.
قالوا لنا سنذهب الى الامم المتحدة لانتزاع انضمام دولة فلسطين الذي سيمكن، اي الانضمام، السلطة من مطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين ومثولهم امام محكمة الجنايات الدولية، ورقص انصار الرئيس طربا امام مكتبه بعد عودته من نيويورك احتفالا بهذا النصر الكبير، وشاهدنا تلفزيون فلسطين يبث لقطات للسيد الرئيس وهو يوقع على وثائق الانضمام لهذه المحكمة لاحقا، فماذا حدث؟
السيد عباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” بشرنا قبل اسبوع بأن السلطة لن تطارد مجرم حرب اسرائيلي واحد امام المحاكم الدولية، لماذا يا سيد زكي؟ افيدنا، افادك الله، السيد زكي كان صريحا وواضحا عندما قال دون لف ودوران، لان امريكا هددتها ورئيسها، بوضع جميع المسؤولين الفلسطينيين على قائمة الارهاب اذا فعلوا ذلك، فهل نستطيع مواجهة امريكا الدولة العظمى؟ وهل يمكن تحديها وكسر كلمتها؟

الرئيس عباس يقترب من الثانية والثمانين من عمره، فما الذي يخشى منه، او يخشى عليه، وماذا يضيره لو جرى وضعه على قائمة الارهاب؟ او استدعته محكمة الجنايات الدولية للمثول امامها كمجرم حرب؟ هذا شرف كبير له، واعتراف دولي به كمقاوم لمحتلي ارضه، وسالبي حقوق شعبه، والاقامة في جناح محكمة لاهاي قد تستغرق جلساتها سنوات، افضل من الاقامة في مقر المقاطعة في رام الله، والنكد المترتب على ذلك من رجال السلطة والاسرائيليين معا، ثم ان اجراءات التسليم الى المحكمة قد تستغرق سنوات فهل يضمن ان يعيش كل هذ السنوات، وان ضمنها فعلا، والاعمار بيد الله، فسيكون تحول الى “موسوعة” امراض، وربما يكون من بينها مرض “الزهايمر” الذي سيجعله لا يحس بما يجري حوله، ولا يميز بين السجان والسجين، وان كنا لا نتمنى له ذلك، ونقولها من القلب.
تستحق القوات الامنية الفلسطينية التي كشفت عن هذا الجاسوس في مكتب الدكتور عريقات كل الشكر والتقدير على كفائتها العالية، ولكن اذا وضعنا جانبا، ان جميع جنرالاتها يمارسون هذا الدور، اي التجسس لصالح الاحتلال، تحت ذريعة اتفاقات اوسلو وبنودها، فاننا نسأل عن سبب فشلها حتى هذه اللحظة، في كشف الجاسوس الاخطر الذي دس السم للشهيد ياسر عرفات، وهو معروف جيدا لديها ولغيرها في اوساط السلطة؟
انها سلطة فاسدة، اقيمت اساسا بقرار اسرائيلي، لكي تخدم الاحتلال، وتغطي على جرائمه، وتمنع مقاومته، وتعفيه من مسؤولياته كسلطة احتلال في الاراضي المحتلة، ونحن في انتظار رصاصة الرحمة التي تطلق عليها، لوضع حد لها، ووجودها، الجاثم على صدر الشعب الفلسطيني، ونتمنى ان تأتي هذه الرصاصة من الرئيس عباس نفسه، وان كنا نعرف مسبقا ان الرجل لا يريد ان يكون على قدر هذه المهمة الوطنية.

نقلا عن الرأي اليوم

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط

أضف تعليق

التعليقات