X إغلاق
X إغلاق

زهدي قادري واللحن الهندسي للحداثة المتأخرة من خلال كتاب اسماعيل ناشف عن فنه بقلم د. منير توما

25-03-2015 - 16:14 / حصاد.نت

*زهدي قادري واللحن الهندسي للحداثة المتأخرة من خلال كتاب اسماعيل ناشف عن فنه*

يرى الكاتب ان النموذج الذي يطرحه زهدي قادري هو أن البنية التحتية، التي تأسست في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي أقامت عليها صوفي حلبي مشروعها الجمالي الفكري، لا تزال فاعلة ومشكّلة كمخرَج ممكن من الورطة الاستعمارية حيث يجيز الكاتب لنفسهِ الإدّعاء أن المخرَج الفلسطيني الروسي هو من أهم لبنات الحداثة الفلسطينية البديلة.

صدر مؤخرًا كتاب قيّم يبحث في فن الرسم باعتباره فنًا تشكيليًا جديرًا بالدراسة وذلك تحت عنوان "في التجريد الفلسطيني: زهدي قادري واللحن الهندسي للحداثة المتأخرة" استعرض فيه الكاتب إسماعيل ناشف الخلفية الفنية لمراحل تطوّر الفن التشكيلي الفلسطيني انطلاقًا من بدايات النهضة الى أواسط القرن التاسع عشر وصولًا الى أوائل القرن العشرين مستحضرًا أسماء وسمات أعمال فنّانين تشكيليين، مركّزًا على رسامين محدّدين ينتمون الى الفن الفلسطيني، متّخذًا فنَّ صوفي حلبي نموذجًا لهذا الفن بشكل خاص.
وكما يقول الكاتب، فإنه يبغي من المداخل التمهيدية للكتاب أن يبحث في قضايا التشخيص والتجريد في حقل الفن التشكيلي الفلسطيني حيث يرمي بحثه الى الخوض في هذه القضايا بذاتها من جانب، والى تحديد المادة التاريخية التي ساهمت في صياغة نقطة انطلاق مدوّنة أعمال زهدي قادري الفنية ومحور الحديث والتحليل في هذه الدراسة السريعة الموجزة لنا التي سنستقيها مما ورد في هذا الكتاب، وما استنتجناه من مزايا وخصائص اللوحات الفنية المعروضة هناك لزهدي قادري، ذلك الفنان الأصيل ابن قرية نحف العامرة بأهلها، والذي كبر وترعرع فيها حتى سن الثانية والعشرين، وبعدها سافر الى روسيا حيث قضى هناك عشر سنوات مستقرًا بعد مرور ثلاث سنوات في مدينة سانت بطرسبورغ لدراسة الفن في الأكاديمية هناك، والمشهورة باسم " موخينا " لمدة سبع سنوات تقريبًا. وفي نهاية فترة دراسته في روسيا عاد إلى نحف واستقر فيها منذ 2004 حتى يومنا هذا.
ويرى الكاتب ان النموذج الذي يطرحه زهدي قادري هو أن البنية التحتية، التي تأسست في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي أقامت عليها صوفي حلبي مشروعها الجمالي الفكري، لا تزال فاعلة ومشكّلة كمخرَج ممكن من الورطة الاستعمارية حيث يجيز الكاتب لنفسهِ الإدّعاء أن المخرَج الفلسطيني الروسي هو من أهم لبنات الحداثة الفلسطينية البديلة.
يتضح للكاتب إسماعيل ناشف أنه من فحصهِ لمدوّنة أعمال زهدي قادري على محور زمني تعاقبي أن هذه الأعمال تتنقّل تدريجيًا من أسلوب الفن التشخيصي إلى الفن التجريدي التعبيري البحت.
ويقوم الكاتب بعرض مدوّنة أعمال زهدي قادري في البداية عبر الموضوعات وطرق معالجتها الفنية التشكيلية المختلفة. والموضوعات هي على التوالي: البيت، الشجرة، الوردة، الصليب، خط مستقيم، مثلث، مربع، دائرة، أحجام هندسية.
إن الكاتب اسماعيل ناشف بعد مقدمته التمهيدية الثرية بالمادة النظرية التوضيحية، يأخذ باستعراض أعمال زهدي قادري وفقًا للموضوعات المشار اليها آنفًا، متناولًا المنحى التحليلي، مصحوبًا بتاريخ فترة السنوات التي أبدع فيها زهدي أعماله ُ هذه.
أما بخصوص هذه الدراسة التي اعتمدتُ فيها التحليل الأكاديمي الشخصي للرسومات واللوحات، فإنني سأورده في السطور اللاحقة، مبيّنًا ومستندًا إلى رمزية  الألوان والأشكال المجسّدة  للموضوعات التي تناولها زهدي في أعماله متعددة المضامين، وأبغي من هذا الاتجاه التحليلي أن أوردَ إبداعًا نقديًا على إبداع الفنان لأن إبداع الفنان يثرى ويُزهر فنيًا بالتقدير والتقييم الذوقي للناقد حسّيًا وذهنيًا.
يبدأ الفصل الذي أُفرِد للأعمال الفنية في الكتاب بلوحات "البيوت" التي تتضمن مناظر لبيوت ٍ في روسيا في مدينة سانت بطرسبورغ، ولوحة لبيت في قرية نحف. وممّا يميّز هذه اللوحات أن ألوانها ذات أطياف داكنة أو بالأحرى دكناء، فهناك الأسود والأبيض، والأزرق والأبيض، والرمادي والبني حيث ان هذه الألوان الدكناء تتوزع على مبنى البيوت والبيئة الطبيعية المحيطة مع ملاحظتنا لرسومات السماء الزرقاء التي يغلب عليها في معظم الأحيان الجوّ المكفهرّ للطبيعة بالألوان الغامقة.

إن البيوت التي تظهر في اللوحات تطغى عليها ألوان البني والأسود والرمادي غالبًا، فاللون البني هناك يشير أساسًا بلغة الرموز الفنية الى مشاعر الخصوصية (privacy)، والانتماء إلى الأرض والتجذّر. وبشكل حدسي (intuitively) فإنَّ هذا اللون يُحتاج اليه بغية النمو والرغبة الملحّة الى البناء والإستقرار. كما أن هناك جانبًا تلميحيًا الى التساؤل بشأن وجود الأمان العاطفي الكافي أو أن العاطفة في موضع شك عند الفنان بخصوص كونه محبًّا كإنسان يتفاعل مع عالمهِ الفني المرتبط بالإنسانية أولًا وأخيرًا. كذلك فإن اللون البني يشير الى الاستبطان (introspection) وخصوصًا الأفكار المتعلقة بالنفس. بالإضافة الى هذه الرمزية، فإن هذا اللون يشير ايضًا الى الرغبة في المعرفة العملية الضرورية كي يصبح الإنسان أكثر قوةً. وبهذا فإن عملية توازن الأفكار، والحدس والمبدأ العاطفي تتمحور حول هذا اللون البني ويستمر تأثيره لكون وجوده حاجة هناك للحصول على أمن وأمان حقيقي.

وكل هذا الترميز الناشئ من طغيان اللون البنّي في لوحات البيوت، يعكس الحالة النفسية، ووضعية الاغتراب والغربة عند الإنسان الفنان كزهدي قادري الذي عاش في روسيا في فترة إبداعه لهذه اللوحات التي تؤطّر لحنينٍ مبطّن في نفسية الفنان المغترب البعيد عن وطنه، المحتاج الى الشعور بالأمان والاستقرار والطمأنينة. وبالكيفية نفسها، يمكن أن يقال عن رمزية اللون الأسود الظاهرة في لوحات البيوت حيث إن اللون الأسود هنا يعكس فنيًا الخوف من المجهول. وهو أيضًا يمثّل رفضًا لأحداث الحياة، ولو أنّ ذلك الأمر منشأه ُ في اللاوعي (unconsciousness) بطبيعة الحال. أما اللون الرمادي فيمثّل الخوف البسيط كتمثيلهِ أيضًا للخوف الذي لا تحكم فيه أو سيطرة عليه، علاوةً على الخوف من مرور الوقت. كذلك، فإن اللون الرمادي يرمز الى حالة انعدام الأمن والأمان بوصفهما السلطة العليا في حالة الإنسان الفنان خاصةّ في اغترابه النفسي المنبعث من الاغتراب المكاني والبيئي، وبالتالي نشوء التساؤل المشوب بالشك في إمكانية البقاء الحياتي في عملية ومسيرة الخلق والإبداع وسيرورتهِ.

ومن زاوية أخرى، فإننا نرى صفحة 82، 83 لوحتين تمتازان بالطابع التجريدي يغلب عليهما اللون الأزرق الأدكن حيث إن هذا اللون عمومًا يشير الى الشعور بالأمن والأمان ووجود طاقة الطمأنينة المتوفرة للفنان في هذه الحالة، وكأني بزهدي قادري يجد رغم كل رمزية الألوان الدكناء السابقة، بصيصًا أو مبعثًا للأمل في توفر الأمان له في الغربة لا سيّما عند اقتراب نهاية فترة دراسته في روسيا  آنذاك.
وبانتقالنا الى لوحات "الشجر" التي قام زهدي برسمها متناولًا شجرة الزيتون، نلاحظ أن الألوان المائية، الأزرق والأخضر والبني، مكّنت زهدي من خلق حالة شبه شفّافة تتيح تمييز أجزاء الشجرة بشكل واضح. وهذا ما نتفق فيه مع كاتب الكتاب. أما بشأن تمازج الأزرق والأخضر والبني، كل في موقعه الوظيفي للشجرة، فإننا نلحظ أن هذا اللون الأزرق في أوراق وأغصان الشجر هو في طابعهِ ميّال وينزع الى اللون الرمادي ( grayish  )، وهذا يرمز فنيًا الى أن الأعمال التي تُتّخذ لإيجاد الأمان والسلامة تأتي بدافع الخوف والتّوجّس من هذا الخوف. 
بالإضافة الى ذلك فإن نظرة فاحصة للون الأزرق الذي يخيّم على مبنى الشجر في هذه اللوحات يوحي أيضًا باللون الأزرق الرمادي الفاتح اللون المائل الى زُرقة نبتة اللافندر أو الخزامى الفاتحة، وهذا اللون يرمز الى المثالية في مقدمة الأفكار حيث إنه من المحتمل تمامًا أن التغييرات قد تسبّب بعضًا من عدم السعادة والسرور. وهذا ربما يعكس رمزيًا حالة زهدي النفسية والفكرية والذهنية وهو على وشك انتهاء فترة دراسته في روسيا.

ومن الجدير أن نشير بالملاحظة الى الشكل الدائري للجزء العلوي من الشجرة صفحة 86، 87، الذي يضفي فرادة معينة فنيًّا حيث ان هذه الصفة أو الصورة الدائرية في شكل الجزء العلوي منها ترمز الى الشعور بالكمال ( wholeness  ) بالنسبة للعالم بشكل عام، كما ترمز الى انحباس وتطويق الذات. إنها تمثّل الهواء، النشاط العقلي، النجاح ودوائر الإكمال أو اللامتناهي فيها. ولكن اللون الأزرق المشوب بالأخضر للشجرة يوحي بأن الفنان يشعر آمنًا في محيطه ِ ينتابه شعور بأنه يتحسّن كلما نما وتطوّر حياتيًا.
يورد الكاتب اسماعيل ناشف في مقدمة تحليلية لموضوع رسم الأزهار عند زهدي قادري بأنه في مدوّنة هذا الفنان، ليس ثمة طبيعة صامتة، عمل فني تشخيصي لوردة أو لزهرة بعينها، بل إن جل الورد ينخرط ضمن المنحى التجريدي التجريبي على تدرّجاتهِ  وتحويراتهِ المتعدّدة فنحن نرى في رسومات الأزهار عند زهدي أنه يتناول موضوع الوردة كموضوعة محورية أساسية في رحلته الاستكشافية التي تشكّل فيها العودة الى الذات كمنطلق لفحص العالم من خلال تحوُّل الفنان من منطقه التشخيصي ذي التوجه التجريدي، الى حدث تجريدي يبحث في منطق التركيب المادي الشّكلاني.

فمن ناحية الرمزية التي تنطلق من الأزهار، فإنّ الأزهار ترمز الى كون الفنان قادرًا على الكشف عن النفس والظهور للعيان مما يتيح فرصة كافية للشعور بالأمان في أحداث وبيئات الحياة وذلك لرؤية جمال الحياة.
إن الوردة أو الزهرة تتعلق بالشعور باحترام النفس الذي يسمح الى إزهار حقيقي للذات. واللافت للنظر في رسومات الأزهار عند زهدي قادري أن تركيزه ُ منصبّ على الخلفيات اللونية للأزهار التي تبدو تجريدية النزعة أكثر منها تشخيصية مما يجعلنا نعتقد أن الفنان يرمي الى إبراز بيئة وطبيعة محيط هذه الأزهار ذات الألوان الهادئة والتي في معظمها تستند الى خلفية دكناء، تتأرجح هذه الخلفيات بين الأسود وخليط من الأسود والأزرق مع وجود خلفيات حمراء تميل الى الأرجوانية أو البنية الفاتحة دون أن يغفل أو يهمل الفنان الخلفيات الباهتة التي تعتمد اللونين الأبيض والرمادي الفاتح مع اهتمام في بعض هذه الرسومات بخطوط مستقيمة لتشكّل إطارًا هندسيًا داخليًا مربع الشكل كاللوحات الظاهرة صفحة 94 – 105. وهناك من المهم الإشارة الى أن الإطار المربع الناشئ من هذه الخطوط المستقيمة، وباعتبارهِ شكلًا هندسيًا، فإنه يتعلّق رمزيًا من الناحية الفنية بالاستقرار والثبات والقوة والسيطرة، والتحكم، التوازن، المادية، الوعي والصلابة. وارتباط كل هذه المعاني الرمزية بالأزهار الظاهرة وخلفيتها في هذه اللوحات يؤكد أن هذه الخلفيات اللونية المشار اليها توحي بالحفاظ على التحكّم بالذات والسيطرة على النفس كي يبقى الشعور بالأمان، وعند اختراق هذا القالب التقليدي، وهذا ما يتداعى الى الأذهان من الخلفيات اللونية الزرقاء والبنّية ذات الصبغة الأرجوانية.

وعند تناولنا لبقية أعمال زهدي قادري ووصولنا الى لوحات الهندسة المساحيّة والأحجام الهندسية والجروح، نجد أن هناك قاسمًا مشتركًا في أسلوب الرسم التجريدي، وفي الموضوعات التي يعالجها الفنان خصوصًا أن زهدي يميل في كثير من رسوماته في هذا الجانب الفني الى استخدام الألوان المتنوعة والمتفاوتة بمزيج من الألوان الدكناء الغامقة والألوان الفاتحة مع أنه يعتمد ويركّز في معظم رسومات الهندسة المساحية والأحجام الهندسية والجروح على اللون الغامق كخلفية ومادة موحية بالموضوعة التي يرمز اليها هنا برسومات هندسية مختلفة تشمل المربع، المستطيل، المثلث والدائرة مع الإتيان لاحقًا بأشكال فراغية أي مجسّمة الشكل أو الطابع تمتاز بالشكل التجريدي بمُعظمِهِ. وكل هذه الأشكال الهندسية الموحية رمزيًا، والتي سبق وذكرناها في السياقات السابقة لم تتضمن الإشارة الى شكل المثلث في لوحة من لوحات زهدي صفحة 119 حيث إن المثلث كشكلٍ هندسيٍّ يرمز ويتعلّق في عالم الفن التشكيلي والرسم تحديدًا بالتوتر بين الأضداد.
كذلك فإن المتضادات اللونية في أشكال المثلثات الظاهرة في هذه اللوحة ترمز الى وجود أسباب وقضايا في الحياة  تتمثّل بفرص وظروف جيدة. والمثلّث في دنيا الفن هو رمز للنار، والنار تطهّر وتدمّر في الوقت ذاته ِ مع أنها أيضًا تقدّم دفئًا مريحًا، فالمثلثات الأربعة في أسفل اللوحة المذكورة هنا ذات ألوان مختلفة خاصة بكل مثلث فمنها الأحمر، البني، الأصفر والأزرق، وجميع هذه الألوان هي حالات متعدّدة من ألوان لهيب النار وفقًا لكل مرحلة من مراحل اشتعالها ليتبيّن لنا أن المثلث الرمادي الأدكن المرسوم من أعلى اللوحة يمثّل حالة الرماد الذي يعقب الاحتراق بالنار وسيادة الظلمة باسوداد نصف القمر المحاذي لمثلث الرماد والمقابل للتعرّجات الدالّة على قيود الحياة. أما الخطوط المتوازية البيضاء والزرقاء السماوية الظاهرة في خلفية الجزء العلوي من هذه اللوحة فإنها تمثّل فنيًّا أبدية وخلود السماء رغم التناقضات في الأرض والحياة. ومن الناحية الرمزية فإن جوانب المثلث تمثّل العقل، الجسد والروح بالإضافة الى القمة، التكامل والتوازن. وهذه المعاني الرمزية ترتبط وتنبع اساسًا من فكر وذهنية الفنان المنوطة بالابتكار والإبداع المستمدّ من الّلاوعي، فاللون الأزرق السماوي (Azure Blue ) المشكّل للخطوط في خلفية المثلثات المشار اليها أعلاه ترمز أن هناك نشاطًا مكرّسًا أو اعتقادًا منعكسًا في أفكار وأعمال اتُّخِذت على نحو عام.
ومن المناسب أن نبيّن هنا أنّ في هذا النمط من اللوحات يظهر أنَّ الفنان زهدي قادري قد جعل في لوحاتٍ ثلاث من لوحاتهِ الصليب مركزًا فيها تشكّل بألوانٍ دكناء صفحة 115،114، 116 فكان اللون البنّي في الأولى، والرمادي بالسواد في الثانية، والأسود الصرف في الثالثة بحيث نعتقد ان زهدي من خلال دراستهِ في روسيا لفن رسم الأيقونات البيزنطي قد تكوّن لديهِ أفق متأثر بهذا الفن، فاللوحة الأولى هنا صفحة 114 ذات الصليب العريض البني وفي وسطهِ خط عريض أبيض يرمز الى انبعاث النور من الصليب رمز التضحية والفداء البشري الأرضي في حين أن النور الأبيض في وسط الصليب يشكّل رمزًا للخلاص حسب الموروث المسيحي.

وفي اللوحة الثانية صفحة 115 فإن الصليب الرمادي بالسواد رمز الموت الذي غلبه السيد المسيح فكان الخطان المتقاطعان بشكل حرف x بالإنجليزية رمزًا لإلغاء كون الصليب رمزًا للموت، وصيرورته رمزًا لنور الخلاص لا سيما وأن الموت قد طُرح جانبًا الى أسفل اللوحة على شكل مربع اسود لينتصر الجزء الأبيض والأزرق على سواد الموت، أما اللون الزيتوني في الطرف الأيسر للوحة فيرمز الى الحياة وانتصار الحياة على الموت بفعل صليب الفداء والخلاص. أما اللوحة الثالثة صفحة 116 فقد بلغ زهدي قمة تأثرهِ بالفن البيزنطي متّخذًا من الأسلوب التجريدي وسيلة لعرض فكرتهِ التي تتمثّل في نظرنا بجعلهِ هنا لون الصليب أسود وفي أعلاه رَسمَ مستطيلًا زهريًا محمرًّا كَرَمْز لدم الخلاص والفداء المهراق على الصليب وتحته مستطيل آخر أخضر اللون رمزًا لانبعاث الحياة من صليب الخلاص الذي ظهر في اللوحة اسود اللون رمزًا للموت الذي قهره المسيح بقيامتهِ مانحًا الكون والبشر حياةً ممثّلةً بالمربع الأخضر الواقع على خلفية دائرية بيضاء مظلّلة ترمز إلى الألوهية الّلامتناهية في الكون التي تلغي الموت الأرضي كما يظهر هذا الإلغاء بالحرف x  باللون الأبيض رمز النور كما أشرنا آنفًا.
وهكذا، واستنادًا لما وردَ في دراستنا الموجزة هذه لكتاب الدكتور إسماعيل ناشف الذي تناول فيه أعمال الفنان زهدي قادري، وقمنا بالتالي بتحليل لوحات ورسومات الأستاذ زهدي الظاهرة في الكتاب، فإننا نشيد بمجهود الكاتب إسماعيل ناشف ونشدّ على يديهِ لما قام به من تقديم مادة أكاديمية رائعة في استعراضه وشرحهِ للخلفية التاريخية  للفن التشكيلي الفلسطيني بكون هذه الخلفية قد شكّلت تمهيدًا للحداثة في هذا الفن، ونحن نؤكد بهذا أن الأستاذ إسماعيل ناشف قد نجح نجاحًا باهرًا في عرض مادته ِ وتحليلها بشأن فن زهدي قادري الذي نهنئُهُ لما يتمتّع به من موهبة فنيّة زاهرة فريدة متنوعة الإنجازات الإبداعية في فن الرسم والتي تمثّلت في لوحاته التي تعكس وتؤطّر لنفسية وشخصية الفنان الذي عادةً يمتاز برهافة الحس وعمق الرؤية التي يعتريها في بعض تجلياتها حالات من القلق الظرفي أو الآني عند الفنان والتي تلقي بظلالها على فنهِ بمختلف التأثيرات المزاجية متجسّدةً باللون والشكل عبر الانفعالات العابرة والذائقة الفنية للفنان الذي يلعب فيها اللاوعي دورًا جوهريًا في تشكيلهِ الفني والجمالي والرُّؤيوي.

فللأستاذين إسماعيل ناشف وزهدي قادري أصدق التهاني وخالص التحيات مقرونة بأطيب التمنيات بالتوفيق الدائم والمزيد من الإبداع والعطاء

أضف تعليق

التعليقات