X إغلاق
X إغلاق

Please install Flashֲ® and turn on Javascript.

الإعلام اللبناني وعنق الزجاجة/ بقلم: زاهي وهبي

14-03-2015 - 10:57 / حصاد نت/وكالات

.. لئن لم يتوافر للقيمين على وسائل الاعلام اللبنانية المرئية، رؤيا أكثر اتساعاً من واقع محلي مأزوم، وأكثر إدراكاً لعمق تحوّلات جارية في واقع عربي أكثر تأزّماً، وخصوصاً في مشهده الإعلامي، فلا يستغربنّ أحد أن تغدو تلك الشاشات أشبه بنشرات داخلية ضيقة لا يقرؤها كاتبوها وناشروها أنفسهم...

الفقرة أعلاه، فحوى مقالة سابقة نُشرت في هذه الزاوية قبل نحو ثلاث سنوات. واقع الحال لم يتغير، بل بات أكثر إيلاماً ورثاثة، ما دفع مديري قنوات التلفزة اللبنانية الى رفع أصواتهم متكافلين متضامنين، مطالبين المسؤولين بتخفيض رسوم وضرائب مفروضة عليهم، كي تبقى محطاتهم على قيد البثّ والاستمرار. فما الذي عدا مما بدا حتى تراجع تأثير الشاشات اللبنانية ولم تعد تستقطب نسباً عالية من المشاهدين والمعلنين، فضاق بها الحال حتى على إعالة نفسها.

المشهد جَليّ، لا يحتاج تحليلاً أو تنجيماً (وشاشاتنا مُغرمة بالعرّافين والعرّافات)، وإن كانت أسطر قليلة لا تدّعي إحاطة بما يجري، فإن من أبرز أسباب التراجع، الى تحولات هائلة شهدها ويشهدها عالم الميديا ودخول تطبيقات ومواقع مستجدة ومُبتكَرة ميدان منافسة محتدمة، ثمة تحولات الوطن العربي وحروب طاحنة تعيشها دول عديدة فيه، وأزمات كبرى تعصف بدول أخرى، فضلاً عن تبدّل جذري أصاب الإعلام التقليدي خلال العقدين الماضيين، من قناة تلفزيونية واحدة في كل قُطر همّها الأول: «استقبلَ، ودّعَ»، الى مئات القنوات المنتشرة في فضاء لم يعد يحتمل المزيد، ويقدّم الكثير من الغثّ والقليل من السمين.

نترك آفات الإعلام العربي الى أجل آخر، لنتلمّس أبرز أسباب تراجع الإعلام اللبناني ومنها عقلية القائمين عليه، إذ لا يزالون يخاطبون مشاهدي العقد الثاني من الألفية الثالثة بذهنية التسعينات من القرن المنصرم، يوم كانت الفضائيات اللبنانية على كل شفة ولسان من المحيط الى الخليج، بما حملته من إيقاعات جديدة وبرامج كسرت السائد التلفزيوني آنذاك. لكن الحال تغيّرت وتبدّلت والشاشات اللبنانية على حالها، تسعى الى دغدغة مشاعر مشاهديها وجذب اهتمامهم ببضعة برامج تراوح بين منوعات هزيلة (لأن كلفة إنتاجها شحيحة) وحوارات ذات منحى فضائحي ونكات جنسية وزعيق سياسي، مترافقةً مع دوامة انقسام عمودي ضرب لبنان وتعمّق بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

هذه بعض أسباب التراجع لا كلّها، تزامنت مع تحولات عاصفة وضعت الإنسان العربي مجدداً، وخصوصاً شريحة الشباب، أمام أسئلة مصيرية تتعلّق بوجوده ومستقبله وآفاق الآتي من أيامه. لو كان ثمة وعي عميق واتساع رؤيا يحركان القيمين على تلك القنوات ومنتجي برامجها، لكانت الحلول تمر عبر إعادة البحث في محتوى ما تقدّمه لمشاهديها، لا فقط عبر مطالبتها بخفض رسوم وضرائب. فمن الأسئلة الواجب طرحها على هؤلاء، لماذا يغيب عن شاشاتهم كل ما له علاقة بالوعي والمعرفة، عوضَ العزف المملّ الرتيب على وتر غرائز وعصبيات لا تحتاج مَن يَصبّ زيتاً على نيرانها؟ لماذا لا تنتج برامج تواكب ما يجري في الوطن العربي؟ وتناقش بجدية وعمق، أزمات الشباب وتطلعاتهم وهواجسهم؟ ولا تُقدم برامج حوارية (لا فقط سياسية) تناقش قضايا المجتمع والناس بعيداً من أساليب الإثارة المجانية (ثمة تجارب ناجحة لبنانياً وعربياً يمكن الاقتداء بها)؟ وتساهم في إنتاج دراما لبنانية أثبتت أنها قادرة على المنافسة متى تسنّى لها دعم ورعاية؟ أو تدخل شراكات إنتاجية في ما بينها أو مع شبكات تلفزة عربية عملاقة؟ وثمة بدايات خجولة في هذا المضمار يُستحسن تفعيلها وتطويرها، وقبل هذا كله ضرورة خروجها من دائرة تمترس حزبي وطائفي أفقدها مهنيّتها، وتسبّب في انصراف نسبة كبيرة من مشاهديها.

كي لا نقع في تعميم ظالم، في الشاشات اللبنانية برامج جديرة بالمتابعة والاهتمام وزملاء مهنيون يستحقون الثناء والتقدير، لكنهم الاستثناء لا القاعدة. ما نطمح إليه، هو انقلابُ الآية ليصير الغثّ هو الاستثناء والقيّم هو القاعدة. هذا ليس مستحيلاً ولا عسيراً في بلد على رغم كل أزماته، يمتلك كثيراً من سمات استثنائية وهامشاً واسعاً من حرية ضرورية لنجاح أي عمل إعلامي، ويُصدّر كثيراً من مواهب وخبرات لزملاء أكفّاء يحتلون صدارة القنوات العربية، يمكن لهم جميعاً إخراج إعلام بلدهم من عنق زجاجة ليست فضيّة!

نقلًا عن الحياة

أضف تعليق

التعليقات