X إغلاق
X إغلاق

Please install Flashֲ® and turn on Javascript.

القدس في الأدب العربي / بقلم عادل الأسطة

22-01-2015 - 17:18 / حصاد.نت/ وكالات

 قد أدرس في هذا الفصل مساق «القدس في الأدب العربي». العنوان واسع وعريض فماذا يمكن أن يدرس المرء في مساق لا يقتصر على جنس أدبي محدد، أو على فترة زمنية محددة، أو على مكان محدد، ويمكن أن يتوسع المرء قليلاً فيكتب : وليس على لغة محددة، إذا ما أدرج المرء ما كتبه أدباء عرب بلغات أخرى، كالإنجليزية أو الفرنسية أو العبرية، عن القدس؟
هناك دراسات كثيرة أنجزت عن القدس في الأدب العربي، وأخرى عنها في الأدب العبري، وهناك دراسات مقارنة بينت صورتها في الشعر الفلسطيني وصورتها في الشعر العبري.

وفي الأدب العربي درست صورة القدس في أدب فترة الحروب الصليبية، ولعلّ أهم تلك الدراسات دراسة د. عبد الجليل عبد المهدي «بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية» (1989). طبعاً هناك دراسات عن القدسيات في أدب تلك الفترة. وهناك دراسات تناولت الأدب الحديث، مثل دراسة د. عبد الله الخباص «القدس في الأدب العربي الحديث في فلسطين والأردن» 1989، ومثل دراسة د. فاروق مواسي «القدس في الشعر الفلسطيني الحديث» ودراسة إيمان مصاروة «القدس في الشعر العربي الحديث» (2014). ولا ينسى المرء دراسة محمد الطحل «رواية القدس في القرن الحادي والعشرين» وهي رسالة ماجستير في جامعة النجاح الوطنية قمت بالإشراف عليها.

هل تكفي هذه الكتب، إذا ما استطاع الطلاب دراستها، لدراسة الموضوع، وهل تغني عن العودة إلى النصوص؟
منذ عشرين سنة وأنا أتابع الموضوع على نار هادئة، وكنت أنجزت في العام 1998 دراسة لمؤتمر القدس في جامعة النجاح الوطنية تحت عنوان «القدس في الشعر العربي الحديث» تناولت فيها مجموعة من الشعراء، منهم شاعران عربيان هما مظفر النواب صاحب الصرخة الشهيرة: «القدس عروس عروبتكم» وأمل دنقل الشاعر المصري الذي يعد أمير شعراء الرفض في العالم العربي، بسبب قصيدته الشهيرة «لا تصالح»، وبعدها أنجزت دراسة عن القدس في كتابات كتاب القصة القصيرة الفلسطينية، ولم تخل زاويتي الأسبوعية في جريدة الأيام من كتابة مقالات أتناول فيها هذا الكاتب أو ذاك، وهذه القصة أو تلك الرواية، بل ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك فكتبت عن صورة القدس في رواية (ثيودور هرتسل): «أرض قديمة ـ جديدة».
الموضوع واسع وعريض ويشمل أجناساً أدبية عديدة: اليوميات والسيرة والشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرحية والمذكرات و.. و.. وحتى المقالات، وإذا ما عدنا إلى فترة الحروب الصليبية توقفنا أمام فن الخطابة، وخطبة محيي الدين ابن الزكي الشهيرة في فتح بيت المقدس، وهي مهمة، ومهمة جداً.

وأنا أراجع القصائد التي كتبت في فترة الحروب الصليبية لاحظت أنها قلّما ركزت على المكان. كان الشعراء يذكرون القدس ذكراً عابراً تقريباً، ويركزون على القائد المسلم وعلى عدوه من الفرنجة، ويأتون على المعارك، يهنئون ويواسون ويبشرون وقليلاً ما كتبوا عن حياة الناس.
ربما ذكروا، بل إنهم ذكروا، أماكن العبادة من مساجد وجوامع وكنائس، وربما وصفوا، بل إنهم وصفوا، مشاعر الناس وأحزانهم ومعاناتهم وحسرتهم على ما آلت إليه أماكن العبادة.

وبالكاد يقرأ المرء بضع قصائد يمكن اعتبارها قصائد مكان بالدرجة الأولى.
طبعاً لم أقرأ أدب الرحلات وما ورد فيه من كتابة عن القدس، وربما توسع هؤلاء أكثر بكثير من الشعراء والخطباء في وصف المدينة ومبانيها وشوارعها ومساجدها وكنائسها وأجوائها و.. و.. .

في الأدب العربي الحديث، وفي الشعر بخاصة، كانت القصائد التي أنجزت عن المدينة قبل العام 1948 قليلة. ربما يتذكر المرء بيت الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود مخاطباً الأمير السعودي الذي زار نابلس:
المسجد الأقصى أجئت تزوره أم جئت من قبل الضياع تودعه؟
ولكن هل يعرف المرء قصيدة متميزة كتبها أبرز شعراء تلك الفترة: إبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)؟ والأخير، حين كتب عن مدن فلسطينية، بعد ضياع فلسطين في 1948، كتب عن مدن الوطن السليب وتغنّى بها: تغنّى بيافا والكرمل وعكا وحيفا و.. و.. .
وعموماً يمكن القول إن الكتابة عن القدس ما بين 1948 و1967 ظلت كتابة عابرة، وربما حضرت في شعر شاعر متصوف ارتبط بالمكان ارتباطاً روحياً أو ارتباطاً مباشراً. والكم الهائل من القصائد التي كتبت في المدينة كتبت بعد احتلالها، وهذا ما توقف أمامه د. فاروق مواسي في كتابه «القدس في الشعر الفلسطيني الحديث» وقد جمع فيه مختارات مما قيل في المدينة.
عنوان موضوع المساق هو «القدس في الأدب العربي» لا «القدس في الشعر العربي»، والعنوان يفترض أن تدرس الأدب العربي، لا الأدب الفلسطيني، الأدب العربي القديم والحديث، وهنا يستحضر المرء سطر مظفر النواب الشهير الذي يعد، إلى جانب أغاني فيروز، أشهر ما كتب، وأكثره شيوعاً وانتشاراً: «القدس عروس عروبتنا، فإذا أجن الليل تطق الأكواب بأن القدس عروس عروبتنا...».
هل هناك شعراء عرب كتبوا، في المنفى، قصائد شاعت كما شاع مقطع مظفر النواب؟ وإذا كان بيت الشعر العربي نصّ:
وكم رجل يعد بألف رجل وكم ألف تمر بلا حساب

فإن سطر مظفر عد بألف قصيدة، تجاوزاً. وحتى قصيدة محمود درويش المبكرة «تحت الشبابيك العتيقة: إلى مدينة القدس وأخواتها» لم تحظ بما حظي به مقطع النواب، وليس هذا ادعاءً أو إساءة، بل إن قصائد لاحقة لدرويش في القدس، لم تحظ بما حظي به مقطع النواب.
في الشعر يقرأ المرء قصائد لأبناء المدينة: فوزي البكري صاحب ديوان «صعلوك من القدس القديمة»، ولزوار المدينة من أبناء فلسطين: راشد حسين ومحمود درويش وسميح القاسم، ولاحقاً لزوارها من فلسطينيي المنفى: تميم البرغوثي الذي اشتهرت قصيدته اشتهاراً لافتا.
هل هناك شعراء عرب من غير الفلسطينيين كتبوا قصائد ذاعت؟ مظفر نفسه لم يكتب قصيدة خصصها للقدس. جاءت كتابته وهو يهجو الواقع العربي بعامة، قارئاً الحاضر في ضوء الماضي ورابطاً بين الفترتين، وبالتالي فإن «وتريات ليلية» لا تعدّ قصيدة قدس، رغم أنها ذاعت وانتشرت واشتهرت.

وإذا كان شعراء فلسطين ممن وردت أسماؤهم كتبوا عن القدس وعلاقتهم بها، فإن الكتابة لدى شعراء آخرين كانت علاقتهم بالمدينة شبه عابرة، ولم يكتبوا عنها في أشعارهم المبكرة، مثل عز الدين المناصرة، فإنهم في العقد الأخير أخذوا يخصصون قصائد للمدينة. هكذا كتب المناصرة قصيدته «القدس عاصمة السماء».
ولكن هل تعد مثل هذه القصيدة قصيدة قدس، ولا ننسى من قبله الشاعر أحمد دحبور.
ربما كان الشعر في القدس الأغزر، ولكن ماذا عن الأجناس الأخرى كالقصة القصيرة والرواية والسيرة، بل واليوميات والمذكرات.
برز من أبناء القدس قاصان هما خليل السواحري ومحمود شقير، وتعد مجموعة الأول «مقهى الباشورة» (1969) من أفضل الأعمال المبكرة التي كتبت عن المدينة. إنها كتابة كاتب عرف المدينة وأماكنها وأجواءها وبشرها وعاداتها واحتلالها و.. و.. وربما تأخر محمود شقير الذي انشغل بالحدث في القصة أكثر من انشغاله بالمكان، ربما تأخر في إنجاز نصوص تركز على المكان بالدرجة الأولى، وهذا ما سينجزه في كتابه «ظل آخر للمدينة» وفي كتب لاحقة.

وفي 70 ق20 سيزور توفيق فياض ابن المقيبلة والناصرة، المدينة، وسيكتب عنها قصته «أبو جابر الخليلي» التي تعد قصة قدس حقاً. وسيعزز أكرم هنية الذي عرف المدينة وعمل في صحافتها الكتابة في هذا الجانب، وسيكتب ثلاث قصص لافتة، سيجعل عنوان واحدة منها عنواناً لمجموعته «عندما أضيء ليل القدس» التي جاءت بعد سبع سنوات من كتابة قصة «بعد الحصار.. قبل الشمس بقليل» التي تنبأ فيها بما جرى للقدس منذ عشرين عاماً.

جاءت القصة القصيرة بعد الشعر، فماذا عن الرواية؟ وهل هناك روائيون عرب كتبوا عن المدينة؟
المجال الأكبر كان من نصيب الكتاب الفلسطينيين الذين عرفوا القدس وزاروها أو أقاموا فيها.
ولأن الرواية في هذه المدينة تأخرت، فقد تأخر حضور القدس في الرواية، وسننتظر حتى تكتب ديمة السمان ومحمود شقير وجميل السلحوت وعارف الحسيني وآخرون، ولم يقتصر الأمر على من عرف المدينة، فهناك فلسطينيون في المنافي، لم يزوروا المدينة، كتبوا عنها مثل حسن حميد. وأما الروائيون العرب فقلة منهم من كتب عنها، مثل علي بدر، وحتى هذا كتب عن القدس من خلال الأطلس والوثائق والروايات العبرية.

ومن المؤكد أن يوميات السكاكيني ومذكرات آخرين وسيرهم، مثل سيرة جبرا، كانت حافلة بالكتابة عن القدس، والتفت محمود شقير إلى بعضها، وربما كانت هذه النصوص الأبكر في الكتابة. ربما!! ولعلني أوفق في إيفاء الموضوع حقه، وأنا أدرس المساق. لعلّني!!
 

أضف تعليق

التعليقات