X إغلاق
X إغلاق

Please install Flashֲ® and turn on Javascript.

اشكاليّات وتحديّات التربية العربيّة المعاصرة/بقلم: د. كمال موعد

19-01-2015 - 17:22 / حصاد.نت

ما من شك بان التربية مرتبطة بشكل وثيق بكل ما يطرأ على المجتمع من تحولات على جميع الاصعدة وبالتالي فان التربية تؤثر على المجتمع وتتأثر به في ذات الوقت. وفي ظل ما يشهده العالم اليوم من زحف سريع نحو التعددية الثقافية والانفتاح الفكري، نحو رواج تيارات وفلسفات وجودية تركز على الانسان الفرد وتضعه في المركز، وكذلك في ظل الثورات التكنولوجية الخيالية المتلاحقة والسريعة التي يعيشها العالم في العقود الاخيرة، وهي في الغالب ثورات وحركات اوروبية-أمريكية من حيث المنبع، وجدت المجتمعات التقليدية نفسها في مأزق عميق وفي حيرة شديدة من امرها. فهي من جانب غير متحمسة للتخلي عن مخزونها الفكري الثقافي العتيق الضارب في عمق التاريخ والذي شكل هويتها وجوهر وجودها. لكنها من جانب اخر وجدت نفسها على حين غرة في جانب المجتمعات المتأخرة التقليدية التي لا تواكب موجة الحداثة والتحديث التي تجتاح العالم دون اذن من احد. الاشكال الاخر امام تلك المجتمعات التقليدية هو انها اصلا لا تدرك آليات الانتقال نحو الحداثة والتحديث حتى لو انها ارادت ذلك. بمعنى انها تخشى على هويتها وعلى مخزونها من التفتت والضياع وفي ذات الوقت تخشى من عدم قدرتها وجاهزيتها على تحقيق الانتقال الامن نحو الحداثة وبالتالي التحول الى مجتمع "عصري". هذا التأرجح ما بين التمسك بالقديم "الاصيل" وما بين الرغبة بالولوج الى العالم العصري الحديث التكنولوجي المنفتح التعددي اللبرالي، يشكل الان تحدٍ تاريخي مصيري امام المجتمع العربي الاسرائيلي وبالذات امام كل من له علاقة بالتربية من امهات، اباء، معلمين، مديري مدارس ومختلف القيادات المجتمعية.

قبول الاخر وتبادل التلاقح الثقافي

بكلمات اخرى، فان المجتمع العربي يقف اليوم حائرا عاجزا متخبطا في مواجهة معطيات الحياة العصرية التي فرضت عليه تماما كما فرضت على المجتمعات التقليدية الاخرى في العالم برمته. بالتالي ليس بمقدور المربي العربي اليوم، مثلا، ان يحدد موقفه بسهولة وباقتناع داخلي تام ازاء كل ما يتعلق بالحياة الخاصة بأولاده وببناته، وخصوصا بناته، من حيث الملابس، العلاقة مع الاصدقاء، العلاقة مع الانترنت ومع الهواتف النقالة وهي من اهم مخرجات الثورة التكنولوجية لأنها ببساطة تخرج الانسان من عالمه وتدخله عوالم جديدة مختلفة ساحرة جذابة مغرية مغنية قد تسلخه بسهولة عن واقعه وعن مجتمعه بما فيه من قيم وأنماط تفكير وسلوك وتحوله الى انسان جديد وربما غريب عن بيئته وعن مجتمعه. هذا الاشكال لا يواجه الام والأب وحدهم وإنما يواجه كافة قيادات المجتمع العربي اليوم. وهنا يبدأ المجتمع العربي المتخبط بطرح اسئلة فلسفية تزيده حيرة وتعقيدا: ما تعريف "الاصالة" و "الحداثة"؟ هل كل جديد مرفوض؟ من يحدد ما هو الجديد وما هو الاصيل؟ هل الانتقال الى الجديد يعد مغامرة والبقاء على القديم يعد حماية؟ هل نريد ونطمح كمجتمع الى السير في ركب الحضارة والتقدم التكنولوجي حتى ولو كانت غربية المنبع؟ هل كل غربي مرفوض ويشكل خطر؟ الا يشكل التقدم التكنولوجي العلمي حتمية تاريخية؟ هل نرضى بقبول الاخر ونؤمن بالتبادل والتلاقح الثقافي الفكري والعلمي بين الامم؟ يبدو لي ان قيادات المجتمع العربي( التربوية، الاجتماعية والسياسية) لم تنجح بعد بطرح تلك الاسئلة بصورة علمية جماعية جدية ولم تحولها الى قضية عامة ينبغي معالجتها بمنتهى المسؤولية.

تسرب القيم وتراجع التربية على القيم

ان العنف المستشري في مجتمعنا، الترنح القائم بين الميل الى الاستقلالية الفردية وبين الاحتماء بالعائلة وبالحمولة، عدم مقدرتنا على هضم مخرجات الثورة التكنولوجية المعلوماتية، تسرب القيم وتراجع التربية على القيم، كلها قضايا تجعل مناقشة المسالة امر غاية في الضرورة. اذا كان مكتوبا على المجتمع العربي، كمجتمع ينتمي الى العالم الثالث، عدم المشاركة في صنع وإحداث تلك الثورات العلمية والفكرية وعدم المساهمة فيها، فمن الطبيعي جدا ان يشعر بالحيرة والتخبط تماما كما يشعر الانسان ازاء أي موقف غريب وجديد. بيد ان الامر المرفوض والمستهجن قطعا هو ان تطول فترة التأمل والتفكر، الحيرة والتخبط، بينما ينتقل العالم من ثورة الى ثورة بوتيرة مذهلة ويحقق فتوحات هائلة في الفكر والعلم. على المجتمع العربي في اسرائيل، كما كل المجتمعات العربية، ان يعي تماما ان العالم لا ينتظر وان المنافسة شديدة وان التربية الحقّة المتنورة هي التي قادت عبر التاريخ الانساني تلك الثورات والفتوحات العلمية التكنولوجيّة التي اخرجت الانسان من الكهف الى النجوم.

أضف تعليق

التعليقات